جلال الدين السيوطي
289
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة
وقد ألّفت في هذه السنة ، فكان أوّل شيء ألّفته شرح الاستعاذة والبسملة ، وأوقفت عليه شيخنا شيخ الإسلام علم الدّين البلقينيّ ، فكتب عليه تقريظا ، ولازمته في الفقه إلى أن مات ؛ فلازمت ولده ، فقرأت عليه من أوّل التدريب لوالده إلى الوكالة ، وسمعت عليه من أوّل الحاوي الصغير إلى العدد ، ومن أوّل المنهاج إلى الزكاة ، ومن أوّل التنبيه إلى قريب من باب الزكاة ، وقطعة من الرّوضة من باب القضاء ، وقطعة من تكملة شرح المنهاج للزركشيّ ؛ ومن إحياء الموات إلى الوصايا أو نحوها . وأجازني بالتدريس والإفتاء من سنة ستّ وسبعين ، وحضر تصديري . فلمّا توفّي سنة ثمان وسبعين لزمت شيخ الإسلام شرف الدّين المناويّ . فقرأت عليه قطعة من المنهاج ، وسمعته عليه في التقسيم إلا مجالس فاتتني ، وسمعت دروسا من شرح البهجة ، ومن حاشية عليها ، ومن تفسير البيضاويّ . ولزمت في الحديث والعربية شيخنا الإمام العلّامة تقيّ الدين الشّبليّ الحنفيّ ، فواظبته أربع سنين ، وكتب لي تقريظا على شرح ألفية ابن مالك وعلى جمع الجوامع في العربية تأليفي ، وشهد لي غير مرّة بالتقدّم في العلوم بلسانه وبنانه ، ورجع إلى قولي مجرّدا في حديث ؛ فإنّه أورد في حاشيته على الشفاء حديث أبي الجمرا في الإسراء ، وعزاه إلى تخريج ابن ماجة ، فاحتجت إلى إيراده بسنده ، فكشفت ابن ماجة في مظنّته ، فلم أجده ، فمررت على الكتاب كلّه ، فلم أجده ، فاتّهمت نظري ، فمررت مرة ثانية فلم أجده ، فعدت ثالثة فلم أجده ؛ ورأيته في معجم الصحابة لابن قانع ، فجئت إلى الشيخ وأخبرته ، فبمجرّد ما سمع منّي ذلك أخذ نسخته ، وأخذ القلم فضرب على لفظ ابن ماجة ، وألحق ابن قانع في الحاشية ؛ فأعظمت ذلك وهبته لعظم منزلة الشيخ في قلبي ، واحتقاري في نفسي ، فقلت : ألا تصبرون ، لعلّكم تراجعون ؟ ! فقال : لا ، إنّما قلّدت في قولي ابن ماجة البرهان الحلبيّ . ولم أنفكّ عن الشيخ إلى أن مات . ولزمت شيخنا العلّامة أستاذ الوجود محيي الدين الكافيجيّ أربع عشرة سنة ؛ فأخذت عنه الفنون من التفسير والأصول والعربية والمعاني وغير ذلك ؛ وكتب لي إجازة عظيمة . وحضرت عند الشيخ سيف الدين الحنفيّ دروسا عديدة في الكشّاف والتوضيح وحاشيته عليه ، وتلخيص المفتاح ، والعضد . وشرعت في التصنيف في سنة ستّ وستّين ، وبلغت مؤلّفاتي إلى الآن ثلاثمائة كتاب سوى ما غسلته ورجعت عنه .